ظاهرة الحربمة داخل الأسرة
بقلم / مصطفى عبدالله
حظيت الأسرة باهتمام خاص في الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، باعتبارها الخلية الأساسية في المجتمع لتطوره وتماسكه وصلاحه ، وعلى هذا الأساس حرصت التشريعات على إرساء قواعد خاصة لتنظيم العلاقات بين أفراد الأسرة الذين تجمع بينهم صلة الزوجية والقرابة وهذا حفاظا على قيامها وتماسكها وتقرير أحكام لحماية الأسرة من الأفعال التي تمس بكيانها.
لكن الساحة الاجتماعية وما تعيشه من أحداث يومية تزيل لنا الستار لنرى أوجه عدم الاستقرار واللاأمن ببعض الأسر ، فاختفى الوازع الديني وانقطعت صلة الأرحام ، وغابت التنشئة الاجتماعية السليمة ، واتسعت بؤرة الانحراف والجريمة وسادت الأنانية في الأنفس وتحول فضاء الأسرة إلى عامل طرد للأفراد بعد أن كان فضاء لاحتوائهم، وملاذا يجمعهم على الحب والسكينة، وتحولت بعض الأسر إلى ساحة لممارسة العنف والقتل وارتكاب أبشع الجرائم فتصدعت العلاقات الأسرية وانهار بنيانها.
فحينما تشيع الجريمة في مجتمع ما يعزى ذلك إلى المتغيرات الاجتماعية وكذا التحولات التي يعرفها هذا المجتمع على جميع الأصعدة الثقافية والإعلامية والسياسية والاقتصادية وغيرها من جهة، وإلى طبيعة المعطى السيكودينامي من جهة أخرى .
لكن حين يتحول السلوك الإجرامي إلى حيز الأسرة وبين أفرادها منتجا لنا أبشع الجرائم وأخطرها على المستوى القيمي وعلى المستوى الأخلاقي على شاكلة الاعتداء على الأصول، سوء معاملة الأطفال أو اغتصابهم والذي كثيرا ما يقترن بجريمة زنا المحارم وتعنيف النساء، وغيرها من الجرائم التي يقف المجتمع أمامها عاجزا عن الردع تارة وعن الانصاف تارة أخرى ، لذلك لابد من وقفة تأملية تحليلية للبحث
إن بروز ظاهرة الجريمة داخل الأسرة أبانت لنا عمق الشرخ الذي تعانيه أسرنا والأرقام أضحت مخيفة بحجم الخلل في نوعية العلاقات السائدة داخل الأسر وهو ما يدفعنا إلى طرح التساؤلات التالية:
1- ما هو حجم الجرائم داخل الأسرة ؟
2- ما هي العوامل التي ضاعفت من ظهور الجريمة داخل الأسرة؟
3- ما هي التداعيات والآثار لمختلف هذه الجرائم داخل الأسرة وعلى الفرد والمجتمع؟
4- ما هي انجح الطرق للحد من الجريمة في الوسط العائلي وأحدث طرق التكفل بالمجرمين في سياق النسق الأسري؟
فالإهتمام بالعوامل الأسرية وعلاقتها بالجريمة امتداد للأفكار التي نظرت إلى الجريمة كظاهرة اجتماعية، حيث يعد الوسط الاجتماعي الأسري من العوامل الاجتماعية المهمة التي تدفع الفرد لإرتكاب الجريمة، فليس هناك شك في أن وجود الأسرة في حد ذاته يعد عاملاً من العوامل المهمة للتنشئة الاجتماعية السوية. لأن وجود الأسرة هو الذي يسمح للفرد بالتدرب على الحياة الاجتماعية.
حيث ما يضعه المجتمع من معايير وقواعد أخلاقية يتم نقلها إلى الأفراد عن طريق التنشئة الاجتماعية، فهذه القواعد تضبط بشكل فاعل السلوك الفردي لصالح المجتمع.
إذ تبدأ علاقة الأسرة مع الأبناء منذ ميلادهم، وتؤكد الدراسات الاجتماعية والنفسية أن تجارب التعلم الأولى للأطفال في التنشئة المبكرة ، تؤسس أنماطا للسلوك والعادات والتصورات التي تتسم بالديمومة، والتأثير في استجابات الفرد عند النضج.
